الشيخ أحمد فريد المزيدي
236
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وحرسوا قلوبهم عن التطلع في مراقي الغفلة ، وأقاموا عليها رقيبا من علم من لا يخفى عليه مثقال ذرة في برّ ولا بحر ، ومن أحاط بكل شيء علما وأحاط به خبرا ، فانقادت تلك النفوس بعد اعتياصها ، واستبقت منافسة لأبناء جنسها ، نفوس ساسها وليّها وحفظها بارئها ، وكلأها كافيها . فتوهّم يا أخي إن كنت ذا بصيرة ماذا يرد عليهم في وقت مناجاتهم ؟ وما ذا يلقونه من نوازل حاجاتهم ؟ ترى أرواحا تتردد في أجساد قد أذبلتها الخشية ، وذلّلتها الخدمة ، وتسربلها الحياء ، وجمعها القرب ، وأسكنها الوقار ، وأنطقها الحذار ، أنيسها الخلوة ، وحديثها الفكرة ، وشعارها الذكر ، شغلها باللّه متّصل ، وعن غيره منفصل ، لا تتلقّى قادما ، ولا تشيّع ظاعنا ، غذاؤها الجوع والظمأ ، وراحتها التوكّل ، وكنزها الثقة باللّه ، ومعولها الاعتماد ، ودواؤها الصبر ، وقرينها الرضا ، نفوس قدّمت لتأدية الحقوق ، ورقّيت لنفيس العلم المخزون ، وكفيت ثقل المحن . لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ الأنبياء : 103 ] ، نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [ فصلت : 31 ، 32 ] « 1 » . كان الكتبة يحضرون مجلس الجنيد لألفاظه ، والفقهاء لتقريره ، والفلاسفة لدقة نظره ومعانيه ، والمتكلمون لتحقيقه ، والصوفية لإشاراته وحقائقه « 2 » . في قوله تعالى : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [ الرعد : 7 ] قال الجنيد : هو عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه « 3 » . كان الجنيد يقول : أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام إذا قرئ عنده القرآن يصيح ويصعق « 4 » .
--> ( 1 ) انظر هذه المقطوعة في : الحلية ( 10 / 262 ) . ( 2 ) انظر : الكواكب الدرية ( 1 / 571 ) . ( 3 ) قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات ، وقيل : الهادي رجل من بني هاشم . وانظر : تفسير ابن كثير ( 2 / 503 ) . ( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 95 ) ، والسير للذهبي ( 12 / 87 ) ، والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي ( ص 43 ) .